2011/03/07

ما هكذا يسقط النظام الطائفي في لبنان!!!

... وبدأت كرة الثلج الشبابية اللاطائفية بالتدحرج شيئاً فشيئاً على ملعب أمراء الطوائف في لبنان، فتكبر أكثر مع كل مسافة تجتازها لتفرض وجودها وتدهس بحجمها المتنامي كل ما يعترضها من معوقات وحواجز.
هذا هو المشهد في تظاهرتي "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي في لبنان" في السابع والعشرين من شباط/ فبراير والسادس من آذار/ مارس، حيث إستطاع الشعب اللبناني بتحريض من شبابه، أن يحشد المئات في التظاهرة الأولى مع مراعاة الظروف الجوية السيئة والأمطار الهائلة، والآلاف في التظاهرة الثانية في تحرك خارج الإصطفافات السياسية التقليدية بنيته مجموعات حزبية ومستقلة تعتبر من الشريحة التي لا صوت لها في الحياة السياسية.

تظاهرة إسقاط النظام الطائفي في لبنان
في السادس من آذار.. كلنا ضد إسقاط النظام الطائفي (عرب توك)

وعلى الرغم من الملاحظات والتحفظات التي سنفندها أدناه ويشاركنا فيها الكثير من الناشطين والمنظمين، إلا أن تظاهرة السادس من آذار/ مارس تعتبر نقطة تحول مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، وبخاصة أنها أكبر حشد جماهيري يرفع لواء إسقاط النظام الطائفي وراية الوطن لبنان لكل أبنائه.

الآلاف يسيرون في مشهد رائع ضد الطائفية السياسية (عرب توك)

أولى الملاحظات النافرة هو كثرة الطباخين، وبإختلافهم المتواصل ستحترق الطبخة بلا أي نقاش وجدل. فالمجموعات المنظمة والداعية لهذه التظاهرات هي عبارة عن أحزاب علمانية عريقة نفضت الغبار عن نفسها وركبت موجة المجتمع المدني، بالإضافة إلى مجموعات الفايسبوك المتنافسة على جذب الأعضاء والمشتركين، بأسلوب لا يختلف كثيراً عما فعلته الأحزاب السياسية الطائفية. والزميل إبراهيم الدسوقي أظهر عدداً ممن يقف خلف هذه الصفحات ويديرها على الفايسبوك بتقريره على قناة الجديد. وإذا ما دققنا بأسماء هذه الصفحات والمجموعات وتفقدناها على الفايسبوك لوجدناها متواضعة جداً جداً أمام صفحتي شباب "6 إبريل" أو صفحة "كلنا خالد سعيد" المصريتين.

تقرير الزميل إبراهيم دسوقي عن مجموعات الفايسبوك (الجديد أونلاين)

هذه الطفرة في الصفحات والمجموعات على الفايسبوك مردّها إلى الإختلاف الواضح في عناوين التحركات، على سبيل المثال بين دولة "علمانية" على النموذجين التركي والتونسي السابقين، وبين دولة المساواة والعدالة حيث لا مكان فيها للطائفية السياسية إلا أنها لا تحارب الدين كمعتقد وشعائر. بالإضافة إلى طروحات أخرى مثل قضية سلاح المقاومة ودعوة بعض اليساريين المغامرين إلى دولة إشتراكية وغيرها. ومن أسباب اللهث على التواجد ضمن مواقع الشبكات الإجتماعية هو عقدة النقص لدى البعض وحب الظهور والإستمتاع بقطف ثمار الغير.

تظاهرة إسقاط النظام الطائفي في لبنان
"ثريا" مصابة بمرض عضال إسمه الطائفية (عرب توك)

وقد تجلى هذا النقاش البيزنطي اللاحضاري بين الشباب خلال الإجتماع الأخير في قصر الأونيسكو ببيروت حيث علا الصراخ والتشويش الهمجي بين الأطراف الموجودة. ونسي الموجودون أنهم هنا من أجل البحث في إسقاط الطائفي وليس التفتيش عن خلافات وهرطقات. والصديق بسام القنطار تحدث بالتفاصيل عمّا جرى في تقرير له في جريدة الأخبار.
وسبق أن قلنا في تدوينة سابقة أن هذه الأجواء هي المناخ الأنسب للمصطادين في الماء العكر أو المتسللين من القوى المذهبية والطائفية للإنقضاض على هذه التحركات السامية الهدف والنبيلة المبتغى.

تظاهرة إسقاط النظام الطائفي في لبنان
شباب المستقبل الحقيقي (عرب توك)


ثاني الملاحظات، التي لا يمكن غض الطرف عنها، تكمن في إختيار أماكن التحركات. فالتظاهرة الأولى سلكت مسار تقاطع كنيسة مار مخايل وصولاً إلى قصر العدل، وهو أحد أبرز خطوط التماس خلال حرب الأحزاب والمحاور الإقليمية والدولية على الأرض اللبنانية. والمسيرة الثانية عبرت من مستديرة الدورة مروراً بشارع برج حمود وصولاً إلى منطقة مار مخايل في الرميل عند شركة الكهرباء.
فلا أدري لماذا إختيار هذه الطرقات للتظاهرات؟ فلا المتظاهرون هم جزء مما يسمى بالحرب الأهلية المقيتة حتى يستذكرونها أو يتصالحون مع خط تماسها؟ ولا هم كالأطرش في الزفة، يسيرون في التظاهرات دون دلالات واضحة عن سبب إختيار هذا المسلك أو ذاك؟

تظاهرة إسقاط النظام الطائفي في لبنان
سيل بشري جارف لدولة لا طائفية (عرب توك)

من هنا، لا بد من التركيز على خيار التظاهر أمام مجلس النواب فهو مصدر الطائفية السياسية وعامودها الفقري، وإسقاطها لا يتم بخيمة أمام وزارة الداخلية ولا أمام وزارة أخرى، وإنما في وجه السلطة التشريعية المسؤولة عن سن القوانين، بالإضافة إلى السلطة التنفيذية الموكل إليها تطبيق التشريعات والسهر على حماية الدستور الذي ينص على إلغاء الطائفية السياسية. ولعل ساحة الرياض الصلح هي المقصد الأصلح لمثل هذه التحركات كونها تأتي على تقاطع البرلمان والسراي الكبير.   
لا زالت الفرصة في أيدينا وعلينا أن نحافظ على ثقة الناس لإستقطاب المزيد من الجماهير والمؤيدين لإسقاط النظام الطائفي. وما جاء في هذه التدوينة  ليس سوى في خانة النقد البناء الذي نأمل أن يؤخذ بعين الإعتبار. فيا شباب، ما هكذا تورد الإبل، ولا هكذا يسقط النظام الطائفي في لبنان.  

7 Comments:

Al Jareedah said...

منذ خمس سنوات أو أكثر قليلاً دار نقاش بيني وبين مؤسسي جمعية "لا للطائفية" التي كانت في حال الذروة حينها حول ماهية الخطوة التالية بعد التجييش (وهو أسهل الأمور على فكرة)، وكان الإستنتاج لدي حينها أن المجتمع المدني لا يمتلك الجرأة على طرح بدائل خوفاً أن يؤثر ذلك على مستوى الجاذبية والإستقطاب. فرفض الموجود هو طرح شعبوي لا يختلف عليه إثنين (بما في ذلك أكثر الناس تحزباً)، أما طرح بدائل فمعناه الإنتقل من حالة تهييج عصبية رومانسية إلى مرحلة النقاش الموضوعي بتحدياته الواقعية وهنا المحك!

قبل التوجه إلى جماهير الأحزاب المتنفعة من النظام القائم (والمطلوب التوجه بشيء من التواضع والتفهم عكس النبرة العدائية الفوقية الحالية التي تعكس غرور من يظن أنه العبقري في بلاد الأغبياء) يجب على قوى المجتمع المدني أن تحترم بعضها ليحترمها الغير. أن تسمع بعضها ليسمعها الغير. أن تكون قناعة مشتركة قبل أن تطلب من الغير أن يشاركها قناعتها.

التظاهر هو عنصر من عناصر التغيير في لبنان، لكنه لا ينتج تغييراً بذاته.

Karem said...

يعطيك العافية. الحقيقة ان النرجسية اللبنانية عند البعض تفوق بأضعاف قدرة المجموعة على خوض غمار التغيير.
بالنسبة لطريق التظاهرة، أوافقك الرأي 100%. لماذا جاد الذات على خطايا من هم بالحكم الآن....وبتصويت البعض منّا.

القط said...

تحية،

من الطبيعي في البدء أن يكون هناك حالة فوضى تنظيمية، و أن يكون هناك أفكار عديدة و متنوعة و أحيانًا متعارضة.

الخطوة الآن هي بلورة رؤية واضحة و مشروع سياسي-إجتماعي واضح، قد نتفق معه أو لا، و لكنه على الأقل يحدد البوصله لهذه التحركات.

إبراهيم عرب said...

أعزائي
Al Jareedeh
Karem
شكرا لتفاعلكم

إبراهيم عرب said...

القط
أتفق معك تماما والتدوينة جاءت من باب النقد البناء يا عزيزي لتدارك هذه الأمور من أجل تحقيق الهدف

وسام متى said...

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن التظاهرتين قد حركتا مياها راكدة منذ فترة طويلة. ولعل هذا ما دفعني إلى العودة مجدداً للتفاعل مع الشأن الداخلي في لبنان، بعدما ابتعدت كثيراً عن سخافات السياسة اللبنانية نحو الفضاء العربي والدولي.
لكن ثمة ملاحظات لا بد من التوقف عنها، وهي تتعدّى بعض النقاط الشكلية والاختلافات الكبيرة بين المنظمين والمشاركين، وإن كانت هذه الخلافات بالنسبة لي عاملاً إيجابياً لكي طرح الأمور بكل صراحة وشفافية بين العلمانيين:

1- من الملاحظ أن التحرك قد جاء كرد فعل على الانتفاضات الشعبية العربية، وخصوصاً ثورة 25 يناير، وهو ما يلخصه شعار هتف به البعض " جايي دورك لبنان"... لكن ثمة حقيقة يجب عدم القفز فوقها، وهي أن طبيعة النظام السياسي اللبناني مختلفة بشكل كبير، ولعل ما قال لي أحد الأصدقاء في مصر ليلة سقوط مبارك "عقبالكم يا رب... ولكن انتو حتسقطوا مين والا مين... لا مؤاخذة انتو في كل شارع عندكم نظام" يلخص هذا الواقع.

2- من المؤكد حتى الآن أن التحرك يفتقد إلى أفق واضح. شعار "إسقاط النظام الطائفي" جميل جداً... ولكن كيف يكون ذلك؟ بالأمس، كنت أفكر في هذا الموضوع، وتصادف ذلك مع مشاهتدني فيلم "الإرهاب والكباب" لعادل إمام. عندما أطلق "ثورة"
عفوية داخل مجمع التحرير. التحق بها عدد من الغاضبين واكتسبوا شعبية لافتة. ولكن عندما طلب منهم وزير الداخلية (كمال الشناوي) أن يعرضوا له مطالبهم "من باب العلم بالشيء ليس أكثر".... صمتوا... فكروا... ترددوا... ثم حسم عادل الإمام الموقف قائلاً بسخرية "أنا ما عنديش مطالب". تخيلوا لو جاء الوزير بارود، وطلب الشيء ذاته من منظمي التحركات العلمانية!

3- بالرغم من أن الماركسية اصبحت تهمة، إلا أنها ما زالت بالنسبة لي الوسيلة الوحيدة المتاحة ل"فهم العالم وتغييره". وعلى هذا الأساس فليس بوسعي - واعتقد بأنني محق في ذلك - أن أنظر إلى أي مسألة بعيداً عن بعدها الاقتصادي من موقعي الطبقي. قد يطول الحديث عن هذه المسألة، ولكن يمكن اختصارها بفكرة أن البرجوازية اللبنانية لا يمكن أن تستمر ما لم تفرّق صفوف الفئات الاقتصادية المستغلة سوى من خلال إثارة صراعات جانبية لتحل مكان الصراع الأساسي بين المستغلين (بكسر العين) والمستغلين (بفتح العين). ولعل رصداً بسيطاً لتصاعد سعر صفيحة البنزين في خضم الصراع المذهبي حول المحكمة الدولية ما يؤكد هذا الواقع.

بذلك، يمكن تحديد ثلاثة خيارات ممكنة لـ"ثورة" اسقاط النظام الطائفي:

1- الخيار التراكمي، عبر طرح مطلب "علماني" محدد والضغط باتجاه تحقيقه... ومن ثم الانتقال إلى مطلب آخر.
2- الخيار الطبقي، عبر توجيه التحركات الشعبية باتجاه ضرب البرجوازية اللبنانية.
3 - الخيار التوعوي، عبر إقامة شبكة أهلية لبث الوعي العلماني في المجتمع.

إبراهيم عرب said...

عزيزي وسام
أتفق معك بجزئية كبيرة مما تفضلت
وأعتقد أن طرحك محل اهتمام الاجتماعات التنظيمية للتحركات
وبخصوص الماركسية كخيار فهي تحتاج الى نقاش فكري عميق مع احترامي الكامل لرأيك
تحياتي

أحدث التدوينات