2011/02/03

الحرب على الجزيرة.. والدروس المستفادة

"الحرب على الجزيرة" هو السمة الغالبة هذه الأيام جراء الأحداث الجارية في مصر أو غيرها. صار ممنوع على الإعلام الخروج من عباءة السلطة والتماهي مع الجماهير ومطالبها.
من المحرمات اليوم على المحطات الإخبارية الفضائية أن تكون "تلفزيوناً واقعياً" حقيقياً بنقلها المباشر لما يجري في ساحات ميدان التحرير في قاهرة المعز وميدان القائد إبراهيم في الإسكندرية وميادين أخرى.
من المعيب مهنياً وفق نظريات السلطة على الصحفيين أن ينحازوا إلى الإنسان وحقوقه البسيطة في حرية التعبير والعيش بكرامة، فإذا لم يكن الإعلام بوقاً للنظام فهو متآمر وخائن وعميل ومدسوس.
ليس بغريب على النظام المصري التضييق على الحريات الإعلامية والإنسانية. فالنظام المصري تحوّل من الملكية إلى "نيو ديكتاتورية" وهي النظرية المستجدة في العالم العربي للأنظمة السياسية، والتي تقوم على دساتير تتغنى بالديمقراطية والحديث عن الشعب مصدر السلطات وغيرها، وفي واقع الحال فإن التزوير سمة مرافقة للإنتخابات وبقاء الرئيس رئيساً لمدة 30 عاماً من ضرورات الإستقرار والتنمية.
لقد أثبت النظام المصري بإقفاله مكتب الجزيرة في القاهرة وسحب إعتمادات المراسلين أنه يكنّ حالة من العداء تجاه هذه المحطة بالتحديد. وبخاصة أنه لو كلف المعنيون في هذا النظام أنفسهم بمتابعة تغطية شبكة "سي ان ان" أو "بي بي سي" فهي أيضاً تنقل فضائح هذه الطبقة الحاكمة وتعدياتها على الجماهير.
الخطوة التي تعتريها شوائب قانونية تكمن بالإخلال في العقد المبرم مع إدارة الـ"نايلسات" من خلال قيام الأخيرة بإلغاء ترددات قناة الجزيرة في خطوة رافقتها عمليات تشويش منظمة استهدفت ترددات القناة على أقمار "عربسات" و"هوتبير".
فإذا أثبتت التحقيقات أن من يقف خلف محاولات التشويش هذه بشكل أو بآخر النظام المصري، فإن ذلك يعني وبلا مواربة إنضمام الرئيس حسني مبارك وأزلامه إلى نادي القراصنة الدولي وهم بالتالي لا يختلفون عن هؤلاء الذين يقومون بالإستيلاء على السفن والبواخر عند القرن الإفريقي قبالة الشواطئ الصومالية.
وإزاء كل هذا الهجوم وما رافقه من إشاعات مدسوسة، نجحت الجزيرة في فرض نفسها وبقوة على أولويات المشاهد العربي والأجنبي. وأثبتت أنها ليست محطة إخبارية فحسب، بل مشروع إعلامي عربي كبير تتطلع إليه الجماهير العربية للتحرر من التبعية الإعلامية والمهنية للإعلام الأجنبي.

اعتصام تضامني مع قناة الجزيرة ببيروت4

إعتصام تضامني مع قناة الجزيرة ببيروت (الصورة: عرب توك)

لقد جندت الجزيرة بوجهيها العربي والإنكليزي مجموعة من الصحفيين و"المواطنين الصحفيين" للعمل في الميدان المصري ومراسلة غرف الأخبار بشتى الوسائل، هاتف وإنترنت وغيره، لنقل الخبر. فتحول المواطن المصري إلى مراسل إخباري للجزيرة بفروعها. وبتنا نشاهد على الشاشات طبيب من هنا وناشط سياسي من هناك، وبالتأكيد صحفيين ومواطنين عاديين.

الجزيرة لا تهتم لما يقال عنها (المصدر: (mskayyali


كما تميّزت "الجزيرة الإنكليزية" بتغطية متألقة للأحداث في مصر عبر شاشتها ومن خلال مدوناتها على الإنترنت. فالإعلام الجديد وتقنياته لم يعد يقتصر على الناشطين السياسيين بل طال أيضاً وسائل الإعلام التقليدية الإحترافية مثل الجزيرة للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المشاهدين في كل العالم، عبر كل النوافذ الممكنة مثل تويتر وفايسبوك ويوتيوب وأوديوبو
بالإضافة إلى ذلك، وفي خطوة لافتة وغير مسبوقة، تسابق عدد من القنوات الفضائية لبث تغطية الجزيرة على شاشاتها، ونذكر منها على سبيل المثال قنوات: otv اللبنانية، nbn، الجديد، الأقصى، سهيل، عدن، نور الإقتصادية، المستقلة، الحوار، الحقيقة، فلسطين اليوم، آسيا وغيرها.
هذا التضامن الإعلامي المميز أحرج إدارة "نايلسات" التي وجهت تهديداً للقنوات المذكورة سابقاً للتوقف عن تجيير شاشتها لتغطية الجزيرة، إلا أن القنوات لم تمتنع وبقيت صورة الجزيرة على الشاشات وطال بثها عشرات الترددات.

اعتصام امام مكتب العربية ببيروت 1

  مجموعة من الشباب تحتج أمام مكتب العربية ببيروت ضد تغطيتها (الصورة: عرب توك)


فكل "الحرب على الجزيرة" كانت خاسرة بامتياز، فلا الجزيرة صمتت أو توقفت عن التغطية، ولا قل عدد مشاهديها ومتابعيها، ولا غابت عن تلفزيونات الناس. بل العكس هو الذي حصل، أبدعت الجزيرة في تغطيتها الحية والمباشرة، تضاعف عدد المشاهدين، حققت ظهوراً فضائياً وإنتشاراً أكثر على الأقمار الصناعية وبالأخص "نايلسات"، ابتكرت أساليب جديدة مستخدمة تقنيات الإعلام الجديد واعتمدت على جيل من المواطنين الصحفيين للإنفراد بالمعلومات والأخبار، وجذبت تضامن النشطاء والمشاهدين معها في وجه القمع، والذين شجبوا في الوقت نفسه الإعلام الرسمي المصري والإعلام الخاص المنحاز في التغطية إلى النظام.


إعتصام أمام مكتب قناة العربية ببيروت ضد التغطية المنحازة (المصدر: عرب توك)


"الحرب على الجزيرة" قرار أحمق بالتأكيد، علّ ما تبقى من أنظمة ديكتاتورية و"نيو ديكتاتورية" تتعظ من هذا الدرس، وتفهم جيداً أن زمن حجب الحقائق قد ولّى إلى غير رجعة والتضييق على الإعلام وقمعه لن يجدي نفعاً بعد اليوم. فقد استخدم النظام المصري أقصى قوته وكل خياراته، مثل قطع الاتصالات والانترنت واعتقال الصحفيين واغلاق المكاتب ومصادرة المعدات وحذف الترددات عن الأقمار الصناعية، وبقيت الحرية تسطع وتخرق الأجواء المبلدة بالذل والقهر والطغيان. فالإعلام لا يكون حراً إلا إذا كان في خدمة الحرية.

0 Comments:

أحدث التدوينات